سوريا:  الطريق الملغوم المستقبل
سوريا:  الطريق الملغوم المستقبل

سوريا:  الطريق الملغوم المستقبل صحيفة الحوار نقلا عن ساسة بوست ننشر لكم سوريا:  الطريق الملغوم المستقبل، سوريا:  الطريق الملغوم المستقبل ننشر لكم زوارنا جديد الاخبار اليوم عبر موقعنا صحيفة الحوار ونبدء مع الخبر الابرز، سوريا:  الطريق الملغوم المستقبل.

صحيفة الحوار تتعالى هذه الأيام خطابات النصر وتتوالى سرادقات الاحتفال التي تقام اليوم تباعًا على أرض الشام احتفالا بانتصار ما بات يعرف بالمحور الإيراني الروسي السوري، هذا النصر الذي يأتي بعد حرب شرسة وحملة اخترقت فيها كل القوانين وديست فيها كل الأعراف الدولية والإسلامية تجعل كل متابع يحتار في الموقف الذي عليه أن يتخذه بعدما علق الجميع آمالهم على الربيع الديمقراطي في الإطاحة بالديكتاتور والخروج من عنق الزجاجة نحو آفاق أرحب من السلم والديمقراطية والازدهار، فقد سارت الرياح بما لا تشتهي السفن وتمكن الأسد عبر إستراتيجية لم يسبقه إليها أحد من ديكتاتوريي العالم ضمان نجاة ولو ناقصة في هذه الحرب.

يتذكر الجميع كيف كان الجيش الحر قريبًا من قصر المهاجرين وكيف أن كل البلاد كادت أن تكون في قبضة الثوار الذين عولوا على الدعم الخارجي، وقبلوا بكل ما تجود به الدول الداعمة من مقاتلين وسلاح ومعونة استخباراتية وإعلامية، لمواجهة العدو الشرس الذي يتربع على نظام يضرب بجذوره عميقا في مؤسسات الدولة والمجتمع، وتمكن عبر عقود من ترسيخ تحالف دولي مع دول الشرق خصوصا إيران وروسيا والصين وبقايا الدول الاشتراكية، هذه القطبية في المواجهة أعادت التذكير بأجواء الحرب الباردة بين الاشتراكية والعالم الرأسمالي، ولأن العالم لم يفق بعد من صدمة مشاهد سحل القذافي وشنق صدام وتحول بلديهما لمرتع خصب للإرهاب، ومع ما تم تداوله من أن الأسد تجاهل طعن روسيا برفضه السماح بمرور أنبوب غاز من خلال بلاده نحو أوروبا، فهي عوامل تكاملت لتوقظ الدب الروسي وتشعل اللهب في صدر بوتين.

الأسد ذكي ومحظوظ، ذكي لأنه يتقن فن التكتيك والمقايضة ومحظوظ لأن العالم شهد تحولا بارزا مع ولاية الرئيس الأمريكي أوباما الذي مل من الشرق الأوسط وصراعاته الطائفية ودوله التي تدخل صراعات لأجل غايات تافهة تنبع كلها عن أسباب عاطفية سخيفة موجها ثقل بلاده نحو شرق آسيا حيث ينمو العملاق الصيني بصمت والذي يهدد بإزاحة أمريكا من عرش العالم اقتصاديا وعسكريا، لكن الأسد لم يكن محظوظا كفاية لأنه وإن خف الضغط الأمريكي عنه فإنه واجه قوى إقليمية غنية وشرسة تملك كل مقومات القوة الجيوسياسة وتتمتع بمباركة القوى الغربية مثل فرنسا وبريطانيا اللتين أصرتا بشكل قاطع على إزاحته إلى جانب الكراهية الشديدة التي أبدتها دول غنية وقوية مثل تركيا وقطر والسعودية، وبدرجة أقل، الإمارات، للأسد.

الكراهية ولأنها شعور عاطفي كاف لتدمير أي زعيم في هذه المنطقة فقد استعمل خطاب الكراهية عبر الإعلام ليل نهار، وتم اللجوء إلى القذف في حق الرجل وعائلته وطائفته مما أدى لتعميق النفور والغضب العام وتشجيع الطائفية والانقسام السني الشيعي خصوصا بعد المؤتمر الذي عقد بالقاهرة وتم فيه إعلان الجهاد ضد الحكومة السورية الكافرة، ولم تترك أي صفة قدحية إلا وتم اللجوء إليها، كما أن الإعلام الذي وثق فصول المعارك والقصف الجوي وصور المدنيين القتلى  وأفواج النازحين جعل الحكومة محاصرة أخلاقيا، ومع وجود سجل حقوق الإنسان الرهيب في البلاد وشهادات الناجين من المعتقلات وصور البراميل المتفجرة والمجازر الكيميائية جعلت الشيطان أكثر براءة من الأسد وطفلا مقارنة به، مما ضاعف خسائره حيث أثر ذلك في الكثير من الضباط والجنود الذين أعلنوا وعبر كلمات متلفزة انشقاقهم لأنهم لم يرضوا قتل شعبهم واصطفافهم مع الثورة، كما هرب قادة سياسيون وأثرياء خارج البلاد مما شل حركة الاقتصاد ليصل الاختناق الدرجات القصوى مع فرض مقاطعة دولية ضد البلاد، وفي المحصلة تم وضع الأسد تحت الكماشة.

الفكرة الرئيسة التي وضعها الأسد حجرا هاما في مشروعه لمواجهة الأزمة كما يسميها هو مواجهة الإرهاب وهو الخطاب الموجه لأرجاء المعمورة من جهة والحفاظ على صف الممانعة من جهة ثانية وهو خطاب خاص وجهه للداخل ولحلفائه في إيران ولبنان في تجربة لخلق نوع من الوحدة الداخلية، كما وضع الأسد نفسه كحام للأقليات المسيحية والعلوية، التي وجدت نفسها في وضع هش أمام مد الإسلاميين وسيطرتهم على الثورة ومعرفتهم العميقة أنهم سيكونون ضحايا اضطهاد مؤكد، كما لجأ الأسد لسياسة التهجير للضغط على العالم، فاللاجئون هم ورقة فعالة أثبتت فعاليتها ضد أوروبا ودول المحيط الفقيرة كالأردن ولبنان وغيرها حيث وجدوا أنفسهم أمام وضع إنساني مزعج ومحرج، وضع أوروبا خاصة أمام تحديات أمنية ومجتمعية فاللاجئون هم الذين أيقظوا اليمين المتطرف في تلك البلدان مما جعل حكوماتها تتخبط سياسيا كما أن موجات الإرهاب أتت بعد أن تسلل منفذوها مع أفواج اللاجئين.

لجوء الأسد لحلفائه ومقاتليهم خصوصا إيران وحزب الله أتى بعد الخسارة البشرية في صفوفه وإدراكه أن أفواج المتطوعين المنضمين لخصومه الآتين عبر تركيا والقادمين من مختلف دول العالم الإسلامي والغربي والشرقي لا يمكن دحرهم بسهولة، لأنهم يأتون بأسراب وأعداد خيالية، لكن دعم حزب الله لم يكن كافيا ولا حتى المقاتلين الإيرانيين لقلب المعادلة خصوصا أن المعركة معركة أفكار وخطاب إعلامي أولا ومعركة حربية ثانيا ولأنه يعلم أن خطابه ومشروعه السياسي والإعلامي قد بان فيهما الضعف والهشاشة مقابل أدلوجة الخصم فقد لجأ للمزيد من العنف والشراسة تُوج باستقدام الروس.

الجميع فرح بدخول روسيا الحرب، فأمريكا التي اكتوت بحروب المنطقة وخسارتها البشرية والمادية والنفسية في العراق تمنت أن يغرق غريمها الروسي في المستنقع وأن يلدغ من نفس الجحر لأنها نتيجة منطقية ما دامت روسيا أضعف من أمريكا عسكريا واقتصاديا كما أن خصوم الأسد كلهم معارضة ودولا رأوه فأل خير حيث ظنوا أن أمريكا ستدخل بقوة إلى جانبهم واعتقدوا خطوة روسيا خطوة مغفلة، لكنهم جميعا تناسوا شيئا واحدا: إنه الثعلب فلاديمير بوتين.

لا أحد يعرف ماذا حدث كي يخاطر بوتين لدخول حرب غير مضمونة النتائج، أهو حب عميق لرئيس سوريا؟ أم أنها نزوة طائشة لإبراز الذات؟ لا توجد إجابة مؤكدة لكن انطلاقا من الوقائع يتضح أن بوتين أراد شيئين أساسيين، أولا أن تظهر روسيا كقوة عالمية تستطيع التدخل في أي منطقة في العالم وثانيا أن يوضح بأن بلاده تحترم الاتفاقات والحلفاء عكس الآخرين في معسكر الغرب، كما أنه يحمل قناعة راسخة أن بلاده مستهدفة وأن هناك مخططا لحصارها وتقزيم دورها مما جعل التدخل محسوما، وفي هذا الموقف أظهر الأسد براعته في فن المقايضة حين وضع البلاد ومقدراتها كلها رهن إشارة روسيا.

بلاد مرهونة مسيطر عليها خير من بلاد حرة لا يحكمها الأسد، ربما هكذا قدر المسألة، لكن روسيا ومع مرور الوقت أثبتت أنها قادرة على المهمة أكثر من أمريكا، فلا قيود حقوقية أو إعلامية يمكن أن تكبحها حيث عملت بلا كلل عسكريا وسياسيا لضمان بقاء حليفها، وعززت استراتيجيته في التدمير الشامل والحصار والترهيب والتجويع، بلا رحمة أو شفقة معتبرة أن كل من يأوي تحت ظل الإرهابي ـــــــــــــ المعارض فهو إرهابي، ولأنها قوة عالمية وذات باع طويل في الاستخبارات حققت نجاحات كبرى في دعم أطرحة النظام واختراق الجماعات وتشكيك الغرب في اختياراته وتسليط الضوء على مآل سوريا لو وقع الرئيس وتحولها لإمارة إرهابية داعشية.

نجح الأسد في تحويل الدفة، عن طريق القضاء على سلمية المظاهرات بالعنف، والمقاومة المسلحة بالعنف وعلى تدخل الأطراف الخارجية بمزيد من العنف، وقد أظهر براعته في تحوله إلى وكيل لدول أخرى وهو موقف ولو بدا كريها أخلاقيا إلا أنه سياسيا ينم عن براعة وطول باع، لأن السقوط هو الخيار الأسوأ سياسيا وقد نجح في تفاديه، لكن وكما صاغ أحد الصحفيين البريطانيين المسألة فقد تغلب الأسد وخسرت سوريا، ولأن الحرب قذرة ولا يوجد فائز في أي حرب مهما تبجح إلا أن فوز الأسد يبقى خاصا.

فوز الأسد وبقاؤه مسألة شبه محسومة، بسبب الواقع وخريطة الحرب، فالذين عقدوا الآمال على ترامب لتغيير سياسة سلفه أوباما اصطدموا بخيبة أمل كبيرة لأن الرئيس الأمريكي يواجه أزمة مع المؤسسة الأمريكية الحاكمة التي لم تعد تريد التورط في نزاعات الشرق الأوسط، كما أنه يواجه استحقاقات أخرى أكثر شراسة سواء في الداخل أو مع خصوم دوليين كإيران وكوريا الشمالية، حتى أن الدول الإقليمية المعادية للأسد تأقلمت مع وجوده، كقطر والسعودية وتركيا وكلها تحاول الآن اللجوء إلى روسيا لضمان عدم تهوره مستقبلا والقيام بأنشطة متهورة وانتقامية، كما أن اختلف القيادات في البلدان الخليجية وتحولاتها الاجتماعية وأزمتها الاقتصادية والانفصال الكردي دفعت هذه الدول للتراجع عن عدائها.

يبدو صعبا رؤية البلد وقد عانى الويلات يعود لحكم نفس النخبة التي أدخلته أوضاعه السابقة، ورؤية مرتكبي الجرائم يتحولون إلى أبطال منتصرين، ورغم كل الحديث عن حقبة مختلفة إلا أن هنالك عوامل موضوعية تجعل هذا الأمر مستحيلا، أولا أن الجيش الذي أظهر ولاءه المطلق والأسطوري سيطالب بحصة أكبر في اقتصاد المستقبل وينتظر جنرالاته مكافأة عظمى لقاء تضحياتهم، كما أن أجهزة الأمن ستكون بمأمن عن أي محاسبة بل ستدخل قائمة المستفيدين، حيث أنهم سيحرصون على نيل حقهم من الغنيمة، والسياسيون الموالون سيكونون هم واجهة النظام وعلى رأس القائمة.

التنمية ستكون مؤجلة وكذلك المصالحة، وأما الإعمار فسيكون بإذن روسيا لأنها من سيحتكر توزيع رخص البناء ووضع المخططات، ولأن خزينة سورية فارغة فسيكون عليها أن تكون مدينة لحلفائها، هناك بلد آخر سيستفيد بصمت وهو بكين اللاعب الغامض في هذه الأزمة، فرغم أن دورها غير واضح الملامح ومتداخل لكنها مؤهلة لنيل حصة الأسد من خطط الأعمار بشروط تفضيلية، لأن لغتها هي لغة الأرقام وستكون المستفيد الثاني كما أن النخبة الطفيلية التي وقفت بولاء كرجال الأعمال والشبيحة وكبار رجالات القبائل  ستسيطر على المشاريع الصغيرة والمتوسطة وستغتني بسرعة من أي مشروع إعمار، لكن هذا الأخير لن يسير قدما وبسرعة في ظل المقاطعة الغربية لسورية، فهل يمكن أن ترفع الدول الغربية الحصار والمقاطعة الاقتصادية عن البلد؟ أم أنهم سيساومون حول حصة صغيرة من عقود الإعمار؟ لا توجد دولة أوروبية قادرة على التصريح علنا بالتطبيع مع الأسد لكن التاريخ يعلمنا أن المبادئ في العلاقات الدولية مجرد وهم.

مسألة الإعمار مرتبطة بالاستثمار، والاستثمار يحتاج الأمن والأمن يحتاج الدولة وفي الحالة السورية الدولة منهارة وهشة، فالصراع أدى لاستجلاب المرتزقة وهؤلاء كونوا ميليشيات تلقب بالقوات الرديفة لكنها في الحقيقة هي القوات الرئيسة والتي يعتمد عليها لاستتباب الأمن وهذه القوات لا يمكن بحال أن تحل نفسها ما لم تضمن حصتها أو غنائمها ولأن طابور المطالبين بالتعويضات طويل فهي الفئة التي سيتم تجاهلها والتي ستتحول إلى عصابات تمتلك الذخيرة وخبرة قتالية كبيرة مما يعني مشاكل أمنية، وحتى لو تم الرضوخ لها وإرضاؤها فسيتم خلق اقتصاد ريعي هجين يكون استمرارا لاقتصاد الحرب.

إيران التي ضخت دماءها عبر الاقتصاد السوري طوال سنوات الحرب عبر المساعدات المالية كما سالت دماء أبنائها عبر الأرض السورية لأجل الأسد، ستطالب برسم مستقبل سوريا الاجتماعي والديمغرافي، فأزمة اللجوء خلقت لها بيئة ملائمة لتشييع البلد عبر توطين مواطنين أجانب أو عبر دعم مذهبها تربويا وسياسيا عبر خلق أحزاب موالية لها وكل ذلك سيكون بمباركة الأسد، إيران لها نفس طويل وهي ورغم قبولها الهيمنة الروسية الآنية فستعمل على استلام زمام الأمور في المستقبل ولو عبر عقود، ولماذا ستكون مستعجلة؟

ما بناه السوريون عبر آلاف السينين ولا أقصد الأبنية فقط وإنما الثقافة والتعايش السلمي قد تم وأده إلى الأبد كما أن البنية التحتية التي قضى الشعب فترة طويلة في تكوينها وعبر مجهود جبار قد دُمرت، ولأن المسؤول الأول يسير قدما في طريق النجاة الكاملة من المساءلة، فلا يمكن أبدا تصحيح الماضي أو الخروج باستنتاجات تنير المستقبل، عدا إذا تكرم السيد الرئيس وقرر عن طواعية الاعتراف بأخطائه وأخطاء أتباعه السياسية والعسكرية وقرر في مرحلة ما التنحي وهذا أمر غير وارد لأنه لم يفعل حين كان الأمر ممكنا قبل أن تتلوث يداه ولم يفعلها حين اشتد عليه الخناق وبالتأكيد لن يفعلها وهو يتحسس حلاوة النصر القادم.

اللاجئون الذين فروا سيعود أغلبهم للعمل في بناء سوريا الغد، لكن بشروط أكثر إجحافا من تلك التي ثاروا لأجلها، فالنظام لن يرحم الذين هربوا وقت الحاجة من الجندية ومؤسسات الدولة، أي أن العودة ستكون ممكنة ولكن بمواطنة وحقوق أقل، وهنا تصدمنا أسئلة ملحة، يمكن طرحها مباشرة دون تورية: أهذا مآل الثورة؟ أيكون هذا مآل آمال الشعوب؟ وهل الديكتاتور المستقبلي أيا كان وفي بقعة في العالم عليه فقط أن يمتلك مقومات النجاة كالحلفاء الأوفياء وأن يضغط بقوة ويخرق كل القوانين حتى يضمن في رمشة عين نجاته؟

شكرا لكم لمتابعتنا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم . لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر . مع تحيات اسرة موقع صحيفة الحوار . صحيفة الحوار، سوريا:  الطريق الملغوم المستقبل، تابعونا علي مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بموقعنا ليصلكم جديد الاخبار دائمآ.

المصدر : ساسة بوست